المقريزي

51

المقفى الكبير

في قلّة فيها ماء . وكتب إلى المعزّ كتابا جعل في طيّه من ضريع البحر المحيط وبعث بذلك إليه ، يشير أنّه انتهى إلى البحر المحيط . ثمّ عاد إلى فاس « 1 » بعد أن ملك تلك البلاد كلّها ، فنزل عليها وقاتل أهلها مدّة قتالا طويلا حتّى يئس منها . ثمّ جدّ فيها إلى أن ملكها ونهب عسكره ما فيها ، وسبوا ذراريّها . وأخذ أحمد بن بكير « 2 » وقيّده وجعله مع محمد بن الفتح أمير سجلماسة ، وذلك لعشر بقين من رمضان [ 348 ] . وعمل قفصين من خشب سجن فيهما المذكورين . وقفل إلى إفريقيّة بعد ما فتح الفتوح وأراح البلدان إلى البحر المحيط . ولم يتعرّض لسبته ، وكانت بيد بني أميّة . فلمّا قدم تاهرت ولّى عليها زيري بن مناد وضمّها إلى يده فقوي أمره . وتركه بها ، وسار إلى المسيلة فترك عليها عاملها جعفر بن عليّ الأندلسيّ ، وردّ كلّ قوم إلى مواضعهم . ووصل إلى المنصوريّة ومعه أحمد بن بكير أمير فاس ، ومحمد بن الفتح الشاكر للّه أمير سجلماسة ، ويدو بن يعلى بن محمد الزناتي أمير تاهرت ، وكثير من الأسرى في يوم الجمعة لاثنتي عشرة بقيت من شوّال . ثمّ أخرجه المعزّ في سنة سبع وخمسين [ وثلاثمائة ] لإصلاح المغرب في عسكر عظيم ، وليحشد كتامة الذين ينهض بهم إلى المشرق ، ويجبي من البربر خمسمائة ألف دينار ، فدوّخ المغرب . وقدم يوم الأحد لثلاث بقين من المحرّم سنة ثمان وخمسين [ وثلاثمائة ] بعساكر عظيمة من كتامة والجند والبربر ، فأقام خارج المنصوريّة ليجتمع إليه الحشود والعساكر . وفتح المعزّ بيت المال ، وأعطى الأموال من ألف دينار إلى عشرين دينارا . ثمّ رحل في يوم السبت لأربع عشرة مضت من ربيع الأوّل [ 358 ] بالعساكر ، ومعه زيادة على مائة ألف فارس ، وبين يديه أكثر من ألف ومائتي صندوق فيها المال . فنزل برقّادة وخرج إلي [ ه ] المعزّ وخلا به ، وأطلق يده ليتصرّف في بيوت أمواله كيف شاء ، ويأخذ منها ، زيادة على ما معه ، ما أحبّ واختار . [ 359 أ ] فقال المعزّ ، وجوهر قائم بين يديه ، والعساكر مجتمعة : واللّه [ لو ] خرج جوهر هذا وحده بسوطه لفتح مصر ، وليدخلنّ مصر بالأردية من غير حرب ، ولينزلنّ في خرابات ابن طولون ، ويبني مدينة تسمّى القاهرة تقهر الدنيا ! وأمر المعزّ أولاده وإخوته وسائر الأولياء وعبيد الدولة أن يمشوا بين يدي جوهر وهو راكب . وكتب إلى جميع من يمرّ عليه جوهر من العمّال يأمرهم ، إذا قدم عليهم ، أن يترجّلوا إليه عند لقائه ويمشوا في خدمته . ثم تقدّم إلى جوهر بالمسير ، فرفع من مناخه ، والمعزّ واقف ، ثمّ أكبّ على جوهر وقد ركب فرسه فسارّه طويلا . ثمّ التفت إلى الأمراء أولاده وإخوته فقال : « ودّعوه » ! فنزلوا عن خيولهم ، ونزل بنزولهم كافّة الناس فودّعوه على قدر مراتبهم واحدا بعد واحد . فلمّا فرغوا من وداعه أقبل جوهر فقبّل يد المعزّ وحافر فرسه . فقال له المعزّ : « اركب ! » فركب وسار ، والمعزّ يسايره طويلا ، ثمّ وقف وقال له : « سر ! » فسار ، ثم التفت والمعزّ قائم ، فأومأ إليه بكمّه أن امض ! فحرّك جوهر يريد عسكره حتى لحق بهم ، ثمّ نزل منزله . وعاد المعزّ

--> ( 1 ) في العام الموالي ، أي سنة 348 . ( 2 ) عند ابن عذارى 1 / 214 ، وابن خلدون 4 / 47 : أحمد بن بكر [ بن سهل الجذاميّ ] .